أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
259
العقد الفريد
شرطة ، يحتاج أن يكون عالما بالجروح والقصاص والعقول « 1 » والديات ؛ فأيهم أنت أعزك اللّه ؟ قال : قلت : كاتب رسائل . قال : فأخبرني ، إذا كان لك صديق تكتب إليه في المحبوب والمكروه وجميع الأسباب ، فتزوّجت أمّه ، فكيف تكتب له : أتهنيه أم تعزيه ؟ قلت : واللّه ما أقف على ما تقول . قال : فلست بكاتب رسائل ، فأيّهم أنت ؟ قلت : كاتب خراج . قال : فما تقول - أصلحك اللّه - وقد ولاك السلطان عملا فبثثت عمالك فيه فجاءك قوم يتظلمون من بعض عمالك ؛ فأردت أن تنظر في أمورهم وتنصفهم ؛ إذ كنت تحب العدل والبر ، وتؤثر حسن الأحدوثة وطيب الذكر ، وكان لأحدهم قراح « 2 » كيف كنت تمسحه ؟ قال : كنت أضرب العطوف في العمود وأنظركم مقدار ذلك . قال : إذا تظلم الرجل . قلت : فأمسح العمود على حدة . قال : إذا تظلم السلطان . قلت : واللّه ما أدري . قال : فلست بكاتب خراج ، فأيهم أنت ؟ قلت : كاتب جند . قال : فما تقول في رجلين ، اسم كل واحد منهما أحمد ، أحدهما مقطوع الشفة العليا ، والآخر مقطوع الشفة السفلى ، كيف كنت تكتب حليتهما ؟ قال : كنت أكتب : أحمد الأعلم ، وأحمد الأعلم . قال : كيف يكون هذا ورزق هذا مائتا درهم ورزق هذا ألف درهم ، فيقبض هذا على دعوة هذا ، فتظلم صاحب الألف . قلت : واللّه ما أدري . قال : فلست بكاتب جند ؛ فأيهم أنت ؟
--> ( 1 ) العقول : مفردها عقل ، وهي الدّية . ( 2 ) القراح : المزرعة التي ليس عليها بناء ولا فيها شجر .